ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
143
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
صدقا من كذب ، وجدا من لعب ، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ، وقال : إنه ليس منه ، وقد لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة ، ومن غشّ المنكرات أيضا خضاب الشّيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن ، ويتخلّق صاحبه بخلق الكاذب الخائن ، وهب أنه أخفى لون شعره وهل يخفي أخلاق لباسه ، وإذا استسنّ ملائم المرء فلا يغنيه سواد عارضه ولا سواد رأسه ، وقد جعل اللّه الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار ، وسماه نورا للونه وهدايته ولا تستوي الظلمات والأنوار ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب ، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب ، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره ، وتبديل ما تقدم سطره . ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس ، وإظهار شعار الأسود والأزرق من اللباس ، والتشبيه بالجاهلية في النوح والندب ، ومجاوزة دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب ، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على القبور ، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور ، فصارت المآتم بينهم ولائم والمنادب عندهم مآدب ، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا ، ويجدع أنفا ، ويوجب حدا وقذفا . وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبيه أهل الذمة بأهله ، وما كانوا ليشابهوه في زي غرته ويخالفوه في سلوك سبله ، ولا بد من الغيار بأن يشدّ النصراني عقدة زناره ، ويصفّر اليهودي أعلى إزاره ، وليمنعوا من الظاهر بطغيان النعمة وعلو الهمة ، ويؤمروا بالوقوف عندما حكم عليهم من الأحكام ، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام ، فخمورهم تستر ، وشعائر دينهم لا تظهر ، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر ؛ فلا يوقد خلف ميتهم مصباح ، ولا يتبع بندب ولا صياح .
--> ( 1 ) هكذا ورد في ا ، ب ، ج ، د ؛ ونعتقد أنه قد سقط من جميع هذه النسخ الحديث النبوي الدال على فضيلة الشيب ، وقد يكون المؤلف بيض له ثم غفل عنه ، ومن الأحاديث في ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشيب نور المؤمن ، لا يشيب الرجل شيبة في الإسلام إذا كانت له بكل شيبة حسنة ورفع بها درجة » .